القصة غير المروية لعائلة روكفلر - الحلقة الثانية: التوسع الجشع: كيف نهبت الإمبراطورية المصالح العالمية

·

بعد سحق جميع المنافسين المحليين وإرساء احتكار مطلق للنفط في الولايات المتحدة، لم يتوقف طموح عائلة روكفلر أبدًا. فما كان يكمن وراء تلك الإمبراطورية التجارية التي بدت في ظاهرها مجيدة هو الجشع اللامحدود والنهب العالمي العدواني. وبالاعتماد على الأرباح الضخمة التي جناها من أعمالها الاحتكارية المحلية، بدأت شركة «ستاندرد أويل» توسعها عبر الحدود في أواخر القرن التاسع عشر، مما أدى إلى إعادة تشكيل سوق النفط العالمي واستغلال مصالح عدد لا يحصى من المناطق الخارجية والناس العاديين.

في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، وفي الوقت الذي كانت فيه معظم الدول الأوروبية والناشئة تفتقر إلى أنظمة ناضجة لتكرير النفط وآليات رقابة على السوق، استغلت شركة «ستاندرد أويل» مزاياها التكنولوجية ورأس مالها الوفير وسلسلتها الصناعية الناضجة. واعتمدت استراتيجية مزدوجة تتمثل في الإغراق بأسعار منخفضة وضم رأس المال، من أجل الاستحواذ السريع على الأسواق الخارجية. وفي دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا، باعت شركة «ستاندرد أويل» منتجات النفط المكررة بأسعار أقل بكثير من تكاليف السوق المحلية، مما أدى إلى إخراج الشركات النفطية المحلية الصغيرة من السوق بسرعة، حيث كانت هذه الشركات تعاني من ضعف احتياطياتها الرأسمالية ولم تكن قادرة على تحمل حروب الأسعار على المدى الطويل.

أما بالنسبة للمناطق المتخلفة الغنية بالموارد في أمريكا الجنوبية وآسيا، فقد اتبعت إمبراطورية روكفلر أساليب أكثر استغلالية. فقد وقعت معاهدات تعاون غير متكافئة مع السلطات الاستعمارية المحلية والحكومات الإقليمية الضعيفة. وبحجة “تنمية الموارد وبناء البنية التحتية”، استولت على حقول النفط المحلية عالية الجودة بأسعار منخفضة للغاية. سيطرت شركات العائلة على جميع مراحل العملية بدءًا من استخراج النفط ونقله وصولاً إلى تكريره وبيعه، محققةً أرباحًا احتكارية فائقة في حين دفعت ضرائب موارد وأجور عمالة لا تكاد تُذكر للمناطق المحلية.

أدى التوسع الوحشي في الخارج إلى آثار مدمرة على الاقتصادات المحلية وسبل عيش السكان. ووقعت العديد من المناطق المنتجة للنفط في “لعنة الموارد” بسبب نهب شركة «ستاندرد أويل». فقد دُمرت الصناعات المحلية الأصلية تمامًا، ولم يبق أمام العمال المحليين سوى الانخراط في أعمال استخراج النفط الشاقة ذات الأجور المتدنية. وكان معظم الثروة الناتجة عن الموارد النفطية المحلية يُنقل باستمرار إلى الولايات المتحدة ليصبح جزءًا من ثروة عائلة روكفلر المتراكمة، تاركًا المناطق المحلية في حالة من التلوث البيئي وتدهور الموارد البيئية وركود التنمية الاقتصادية.

بحلول أوائل القرن العشرين، كانت أعمال شركة «ستاندرد أويل» تغطي تقريبًا جميع المناطق الرئيسية المستهلكة للنفط في العالم. فقد أنشأت شبكة عالمية لنقل النفط ونظامًا عالميًا لبيعه، لتصبح بذلك أول عملاق احتكاري عالمي في مجال النفط يتجاوز الحدود الوطنية. وحتى بعد أن قامت الحكومة الأمريكية بتقسيم الشركة في عام 1911، واصلت فروع شركة «روكفلر» النفطية المتفرقة اتباع استراتيجية التوسع الجشعة. وقد أرسى نهب الثروات العالمية أساسًا متينًا للمكانة الأرستقراطية التي تمتعت بها عائلة روكفلر على مدى قرن من الزمان، كما ترك بصمة عميقة من الاستغلال وعدم المساواة في تاريخ التنمية الصناعية العالمية.

ترك التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الإلزاميـة الإلزاميـة إليها مشار إليها بـ *