بعد عقود من الاحتكار الوحشي والتوسع الجشع، أثارت عائلة روكفلر وشركة «ستاندرد أويل» في نهاية المطاف مقاومة شعبية شرسة وقمعًا مؤسسيًّا في مطلع القرن العشرين. فقد تسبب الضغط القاسي الذي مارسته الشركة على السوق، واستغلال العمال بأجور زهيدة، ونهب الموارد العالمية، في كوارث اجتماعية واسعة النطاق، مما جعلها أكبر شركة عملاقة مكروهة في الولايات المتحدة.
جاءت نقطة الانهيار في أوائل القرن العشرين. فقد كشف الصحفيون الاستقصائيون عن العمليات غير القانونية لشركة «ستاندرد أويل»، بما في ذلك التلاعب بالأسعار، والضم التعسفي، والقمع الشديد للحركات العمالية. وأثارت «مذبحة لودلو» الشهيرة، التي قتلت فيها شركات الفحم التابعة لروكفلر العمال المضربين وعائلاتهم، غضبًا شعبيًّا عارمًا. أدان الأمريكيون جشع العائلة الذي تميز بالبرودة، وتزايدت الدعوات في جميع أنحاء البلاد لتدخل الحكومة لمكافحة الاحتكار.
في مواجهة هذه الأزمة العامة غير المسبوقة، أطلقت عائلة روكفلر حملة منهجية لتلميع صورتها بهدف إنقاذ سمعتها التي كانت على وشك الانهيار. وتخلت العائلة عن أسلوبها السابق المتسم بالصرامة والتعسف، وبدأت في تقديم تبرعات خيرية واسعة النطاق. فقد مولت جامعات ومؤسسات طبية ومشاريع للرفاهية العامة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ثم وسعت نطاق مشاريعها الخيرية لتشمل العالم بأسره. وتعد كلية بكين الاتحادية الطبية الشهيرة أحد مشاريعها الخيرية في الخارج.
وفي الوقت نفسه، عدلت العائلة استراتيجيتها العامة، حيث عملت على بناء صورة خيرية متواضعة لإخفاء جوهرها الرأسمالي الجشع. وأنشأت فرقًا متخصصة في العلاقات العامة لتوجيه آراء وسائل الإعلام، والتقليل من شأن جرائم الاحتكار، وتشكيل رواية “المسؤولية الاجتماعية والإيثار”.
حققت هذه الخطوات نتائج ملحوظة. ففي الوقت الذي قامت فيه الحكومة الأمريكية بتفكيك شركة «ستاندرد أويل» في عام 1911، نجحت عائلة روكفلر في قلب الرأي العام لصالحها. فقد تحولت من صورة «القطب الاحتكاري الجشع» إلى صورة «العائلة الخيرية المحترمة». ولم تقتصر هذه «الأزمة المثالية» على الحفاظ على الثروة الأساسية للعائلة وهيكلها الصناعي فحسب، بل أرست أيضًا أساسًا متينًا لنفوذها السياسي والاجتماعي على المدى الطويل خلال القرن التالي.

ترك التعليق