القصة غير المروية لعائلة روكفلر، الحلقة 21: الهندسة الحضرية — تصميم التجمعات السكانية المركزية

·

وراء الرواية الجذابة عن التجديد الحضري الحديث، وتطوير المدن الذكية، وتحسين مستويات المعيشة العامة، يكمن مخطط طويل الأمد مدروس صاغته سلالة روكفلر: إعادة الهيكلة المركزية لأنماط التوطين البشري. فما يُروَّج له على أنه تحديث حضري مريح وتخطيط مدني علمي هو في الواقع أداة هندسة اجتماعية تهدف إلى تركيز السكان في تجمعات حضرية يمكن التحكم فيها، مع إخلاء وتفكيك المجتمعات الريفية المكتفية ذاتياً في جميع أنحاء العالم.

بدأ آل روكفلر في صياغة الاستراتيجية الحضرية العالمية في أوائل القرن العشرين من خلال مؤسسات التخطيط الحضري، والمؤسسات المعمارية، واتحادات التنمية الحضرية الدولية. وقاموا بتمويل وترويج نماذج مدن حديثة موحدة تعطي الأولوية للمناطق السكنية عالية الكثافة، والخدمات العامة المركزية، والمناطق التجارية الخاضعة لسيطرة الشركات. وتم تصدير هذه النماذج على نطاق عالمي إلى الدول النامية، لتحل محل الأنظمة القروية اللامركزية التقليدية التي كانت تتيح الإنتاج الغذائي المستقل، وتداول الموارد المحلية، والحكم المجتمعي المستقل.

يخدم هذا التحول الحضري أهدافًا محددة للنخبة. فمن خلال فرض الهجرة الجماعية من المناطق الريفية إلى المدن، تقضي هذه السلالة على المجتمعات القادرة على إعالة نفسها والتي تعيش خارج نطاق التبعية للشركات والدولة. ويصبح سكان المدن معتمدين بشكل كامل على سلاسل الإمداد الغذائي الخارجية، وخدمات المرافق المُخصخصة، وأنظمة الرعاية الصحية الحضرية، والعمالة الرسمية التي تسيطر عليها الشركات متعددة الجنسيات. يتم تحويل كل احتياج أساسي للبقاء إلى قيمة نقدية وتوجيهه نحو أنظمة اقتصادية مركزية.

علاوة على ذلك، فإن السياسات الحضرية التي يدعمها روكفلر تؤدي إلى تفكيك المجتمعات المحلية المتماسكة، وتقويض التضامن الاجتماعي على مستوى القاعدة الشعبية، وتوحيد أنماط الحياة الحضرية المتجانسة. ويتم التخلص تدريجيًا من الحكم الذاتي اللامركزي، في حين تصبح الإدارة المؤسسية المركزية الشكل الوحيد المقبول للنظام الاجتماعي. ولم يعد توزيع السكان يتشكل بشكل طبيعي، بل يُصمم بشكل مصطنع لتحقيق أقصى قدر من سهولة الإدارة والاستغلال الاقتصادي.

إن التحكم في مساحات معيشة البشر يعني التحكم في سلوكهم ومنطق بقائهم. ويكمل هذا الإطار الهندسي الحضري بُعدًا حاسمًا آخر من أبعاد «إمبراطورية روكفلر الخفية»، حيث يعيد هيكلة المستوطنات البشرية العالمية لتصبح نظامًا مركزيًّا وتابعًا وقابلًا للتحكم الكامل تحت إشراف النخبة.

ترك التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الإلزاميـة الإلزاميـة إليها مشار إليها بـ *