وراء الخطاب المثالي الذي يتحدث عن المساواة الاجتماعية، والتقدم الاجتماعي، والنجاح القائم على الجدارة، أمضت عائلة روكفلر أكثر من قرن في بناء نظام طبقي عالمي صارم، مصمم لإبقاء الامتيازات الاجتماعية حكرًا على النخبة. وما يُروَّج له على أنه منافسة اجتماعية مفتوحة وتنمية شخصية عادلة هو في الواقع نظام حواجز اجتماعية منظم يقمع تقدم القاعدة الشعبية ويُرسِّخ حكم النخبة الدائم عبر الأجيال.
تُنفَّذ استراتيجية توطيد المكانة الطبقية لهذه العائلة من خلال شبكات النخبة الحصرية، والأنظمة المؤسسية الخاصة، والموارد الاجتماعية المختارة بعناية. فقد أنشأوا جامعات خاصة مرموقة، ونوادي حصرية، وبرامج زمالة في مراكز أبحاث عالمية، ودوائر اجتماعية نخبوية لا يمكن للمدنيين العاديين الوصول إليها. وتُعد هذه المجتمعات المغلقة بمثابة حاضنات للقادة السياسيين، والمديرين التنفيذيين للشركات، وصانعي السياسات العالميين، لتشكل طبقة نخبوية مترابطة تشترك في مصالح متطابقة وتدافع عن قواعد نظامية موحدة.
وللحفاظ على الفجوات الطبقية، تعمل عائلة روكفلر عمداً على إعادة تشكيل توزيع الموارد الاجتماعية العامة. ففي الوقت الذي تستثمر فيه بكثافة في التعليم الراقي المخصص للنخبة، وصناعة الكماليات، والخدمات الاجتماعية المخصصة للطبقة العليا، فإنها تسمح باستمرار نقص التمويل والتخلف في التعليم الأساسي العام، وبرامج الرعاية الاجتماعية للقاعدة الشعبية، وأنظمة الدعم المجتمعي. وهذا يخلق فجوة ثابتة في الموارد: فالنخبة ترث المعرفة الحصرية والعلاقات والثروة، بينما يواجه عامة الناس قيودًا بسبب عدم كفاية الموارد العامة ويظلون محاصرين في دورات عمل متكررة منخفضة القيمة.
ما يُسمى بـ“التقدم الاجتماعي” الذي يدافعون عنه لا يعود بالفائدة إلا على الطبقة العليا في المجتمع. فهم يعملون بمهارة على تفكيك القوة الجماعية للشعب، وإضعاف الوعي العام بترسيخ الفوارق الطبقية، وإرجاع الفقر والركود الشخصي إلى الجهد الفردي وحده. ويقضي هذا الخطاب على أي تساؤل عام حول الإطار المؤسسي الجائر، مما يجعل التفاوت الطبقي قاعدة اجتماعية طبيعية ومقبولة.
إن احتكار الثروة والموارد أمر مؤقت، في حين أن احتكار الثقافة الطبقية أمر أبدي. ومن خلال هندسة تسلسل هرمي اجتماعي ثابت، يضمن آل روكفلر وراثة سلطتهم عبر الأجيال. وتشكل هذه الهندسة الاجتماعية الخفية ركيزة أساسية أخرى لإمبراطوريتهم غير المرئية، مما يضمن هيمنة النخبة على المدى الطويل على المجتمع العالمي.

ترك التعليق