وراء الخطاب الرنّان حول “القضاء على الجوع” و«الثورة الخضراء»، نسجت عائلة روكفلر شبكة خفية من السيطرة على الإمدادات الغذائية العالمية، محوّلةً الزراعة من وسيلة محلية للبقاء على قيد الحياة إلى أداة عالمية للهيمنة المؤسسية. وما يُروَّج له على أنه مساعدات زراعية إنسانية هو في الواقع استراتيجية محسوبة تهدف إلى استبدال الزراعة المكتفية ذاتياً بالاعتماد على المواد الكيميائية، واحتكارات البذور، وأنظمة غذائية مثقلة بالديون وخاضعة لسيطرة وول ستريت.
بدأ غزو هذه السلالة للقطاع الزراعي في منتصف القرن العشرين من خلال مؤسسة روكفلر، التي مولت ونسقت ما يُعرف بـ«الثورة الخضراء». وتحت شعار زيادة غلة المحاصيل، دفعوا الدول النامية إلى التخلي عن الممارسات التقليدية لحفظ البذور واعتماد بذور هجينة محمية ببراءات اختراع لا يمكن إعادة زراعتها عامًا بعد عام. وأصبح المزارعون، الذين كانوا في السابق يحفظون البذور ويتبادلونها بحرية، عملاء دائمين، مجبرين على شراء بذور جديدة وأسمدة صناعية ومبيدات حشرية سامة في كل موسم زراعي — وكلها منتجات تصنعها شركات كيميائية يسيطر عليها آل روكفلر.
لم يكن الهدف من هذا التحول أبدًا إطعام العالم، بل السيطرة عليه. فمن خلال ربط إنتاج الغذاء بالمواد الكيميائية الزراعية القائمة على النفط، ربطت العائلة الزراعة العالمية مباشرةً بإمبراطوريتها النفطية، مما أدى إلى خلق دورة ربحية ذاتية التعزيز. أما صغار المزارعين الذين قاوموا ذلك، فقد أُجبروا على التوقف عن العمل؛ أما الدول التي رفضت حزمة «الثورة الخضراء»، فقد واجهت خفضًا في المساعدات الغذائية، وعزلةً عن الأسواق، وضغوطًا سياسية. وأُعيد تعريف الأمن الغذائي ليس على أنه الاكتفاء الذاتي، بل على أنه الاعتماد على سلاسل الإمداد الغربية.
ومن خلال مؤسساتهم ومراكز الفكر المتحالفة معهم، ساهم آل روكفلر أيضًا في تشكيل السياسة الغذائية الدولية والاتفاقيات التجارية. فقد مارسوا الضغط من أجل سن قوانين الملكية الفكرية التي تمنح براءات اختراع للبذور الحية، ودفعوا باتجاه قواعد تجارية تجبر الدول على استيراد الحبوب الرخيصة المدعومة ماليًّا بدلاً من زراعة محاصيلها الخاصة، ووضعوا عمالقة الصناعات الزراعية في موقع الحل الوحيد لـ“إطعام الكوكب”. ونتيجة لذلك، نشأ نظام غذائي عالمي تسيطر فيه حفنة من الشركات على البذور والمواد الكيميائية والتوزيع، بينما يغرق المزارعون في جميع أنحاء العالم في الديون، ويستهلك المستهلكون أغذية معالجة بشكل متزايد ومستنفدة العناصر الغذائية.
الغذاء هو أداة القوة الأساسية. فإذا سيطرت على ما يأكله الناس، فإنك تسيطر على صحتهم واقتصاداتهم وطاعتهم السياسية. ويشكل هذا الهيمنة الزراعية حجر الزاوية الأخير في الإمبراطورية الخفية — عالم تكون فيه كل قضمة طعام بمثابة دفعة صامتة للسلالة التي صممت نظام التبعية باسم التقدم.

ترك التعليق