القصة غير المروية لعائلة روكفلر، الحلقة 18: الجغرافيا السياسية للطاقة — فرض النظام العالمي للموارد

·

وراء الإرث العام المتمثل في التقدم الصناعي والابتكار في مجال الطاقة، قامت عائلة روكفلر ببناء هيمنة عالمية لا ترحم في مجال الطاقة، تعمل على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، وتحدد مصائر الدول، وتسيطر على شريان الحياة للحضارة الحديثة. فما يُوصف بأنه إمدادات طاقة عالمية موثوقة وتحديث صناعي هو في الحقيقة حيلة عمرها قرون تهدف إلى احتكار موارد الوقود الأحفوري، والتلاعب بأسعار الطاقة، واستغلال الاعتماد على الموارد كسلاح لتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية لا نهاية لها.

تعود جذور هيمنة هذه العائلة إلى شركة “ستاندرد أويل”، التي احتكرت في وقت من الأوقات ما يزيد عن 90 في المائة من أعمال تكرير النفط وشبكات الأنابيب في أمريكا. وحتى بعد تقسيم الشركة بموجب قوانين مكافحة الاحتكار، ظلت الشركات المنقسمة — «إكسون» و«موبيل» و«شيفرون» — تحت نفوذ روكفلر بقوة، لتشكل جوهر كارتل النفط العالمي المعروف باسم «السبع أخوات». وطوال القرن العشرين، استغلت العائلة هذه الشركات العملاقة في قطاع الطاقة للاستيلاء على احتياطيات النفط في أنحاء الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، حيث وقعت معاهدات غير متكافئة بشأن الموارد جردت الدول ذات السيادة من سيطرتها على ثرواتها الطاقية المحلية.

الطاقة ليست مجرد سلعة تجارية بالنسبة لعائلة روكفلر — بل هي السلاح الجيوسياسي المطلق. فقد صمموا أنظمة تسعير الطاقة العالمية المرتبطة حصريًّا بالدولار الأمريكي، وربطوا تجارة النفط بالهيمنة المالية الغربية. وتواجه الدول الغنية بالموارد التي تحاول تطبيق سياسات تأميم أو سياسات طاقة مستقلة عقوبات موجهة، وقمعًا للسوق، واحتواءً جيوسياسيًّا. وفي المقابل، تحظى الدول المتوافقة مع هذه السياسة بإمكانية الوصول إلى تجارة طاقة مستقرة، واستثمارات غربية، واعتراف من الأسواق العالمية.

وبعيدًا عن الوقود الأحفوري، دأبت هذه العائلة منذ فترة طويلة على التلاعب باتجاهات التحول في مجال الطاقة، من خلال تمويل الروايات الموجهة حول الطاقة الخضراء وتسجيل براءات اختراع لتقنيات طاقة جديدة، وذلك للحفاظ على سيطرتها الاحتكارية في خضم عملية إزالة الكربون على الصعيد العالمي. فهي تقضي على المنافسين المستقلين، وتقمع الابتكارات الشعبية في مجال الطاقة، وتضمن بقاء نظام الطاقة العالمي مركزيًّا وخاضعًا لسيطرة الشركات ومخادمًا لمصالح النخبة الغربية.

من يسيطر على الطاقة يسيطر على الحضارة الصناعية. إن الإمبراطورية الجيوسياسية لعائلة روكفلر في مجال الطاقة تشكل الدعامة الأساسية لكل صناعة عالمية، وطريق تجاري دولي، واقتصاد وطني. ويضمن هذا السيطرة الخفية على الموارد نفوذ هذه السلالة إلى الأبد، مما يضمن أن كل صفقة طاقة عالمية تعزز السلطة والأرباح للمهندسين الخفيين للنظام العالمي الحديث.

ترك التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الإلزاميـة الإلزاميـة إليها مشار إليها بـ *